لأنه كان يتربع علة قمة الأغنية الشعبية التراثية فقد شد أوتار "وتاره" الأربعة من هناك بين قمم جبال الأطلس ليبث كلماته المنغمسة باللحن الشجي بين ريشات الغمام فتنهمر مطرا حانيا يروي وجداننا لم تزحزحه تيارات مد لوثت جانبا من الأغنية المعاصرة فكان عصيا على الابتذال وفيا لقيم متجذرة في وعي الثقافة الأمازيغية ومثل ما كان "لوتار" محور سيرة الفنان ومسيرته فقد سجل محمد رويشة اسمه كعلامة فارقة في السيرة الذاتية للوتر وكان قبلة الحياة التي انتعشت هذه الآلة الموسيقية الشعبية القديمة وحمتها من الغرق في بحر النسيان إنها رحلة الإمتزاج العبقري بين اللحن والكلمة فنحتار أيهما يذوب في الآخر وتر ينبض طربا منتشيا بكلمات الفنان أم أوتار ترجمت حركات شفاه الكلمات
حالة من التماهي
محمد رويشة حالة من التماهي التام بين الفنان وموسيقاه بين الإنسان والوتر لايدائيه فيها إلا الفنان المشرقي الراحل فريد الأطرش في سوريا ومصر وكلاهما وقع في غرام العائلة الوترية الأصلية ليمتد شذى أنغامها ما بين جبل الدروز وأهرام مصر وجبال الأطلس عرف رويشة قيمة الكلمة فراح يبحث وينقب لينتقي ما يليق أن يخاطب به وجدان وعقل المستمع وما يلمس مشاعره فنأى بنفسه عن الغث والرخيص من المعاني والألفاظ كان يدرك الفنان صاحب رسالة وأن رسالته أن يكون رجع أنين للإنسان في وطنه وصدى لأحلامه وبلسما لأوجاعه فالأمر ليس وسيلة لجمع ثورات على حساب قيمة ما يقدم للناس فكان رويشة صدى للفن الأصيل رغم ما يعانيه الحريصون على أصالة الفن من تهميش وتجاهل في كل زمان هؤلاء لا يقدرون الفن بقدر ما يدره عليهم من ذهب بل بمقدار تماسه مع حقيقة ما يشعر به الناس وما حفروه تراثا حيا تراكم في وعي الأجيال رغم أنه كان وريثا شرعيا لكنوز الفن الأمازيغي للأطلس المتوسط امتد اهتمامه وتوسع إلى ما وراء الحدود حيث روافد غنة للأغنية الأمازيغية بالجزائر وليبيا وحتى بجزر المحيط الأطلنطي هكذا دفعه عشقه الصادق لتراث الأغنية الأمازيغية أن ينقب بسمعه المرهف عن مناجم اللحن الأمازيغي أينما وجد
أوتار أمازيغية عربية
رغم الجذور الأمازيغية العميقة لثقافة الفنان محمد رويشة إذ نشأ ونما جنينا في رحم الثقافة الأمازيغية العريقة فلم تكن كل أوتاره أمازيغية بل زاملتها جنبا إلى جنب أوتار عربية فغني بالعربية مثلما غنى بالأمازيغية فراكم إبداعا على إبداع ولطالما صنف نفسه وتباهى بأنه أمازيغي صحراوي عربي أو في كلمة واحدة مغربي, مغربي أحب المغرب كله فأحبه المغرب كله
بدايات محمد رويشة صعبة مع الفقر واليتم لكنه حول المعاناة القاسية إلى إبداع تعلم كيف يصبر وتعلم كيف يحول قسوة المحيط إلى فن المرفهون لا يبدعون ولكن الألم هو مفجر الإبداع المعاناة تولد طاقات الإنسان المختزنة تحركها للتغلب على قسوة الظروف وتحديا لها وليس لمجرد الصبر عليها مع الإستكانة والجمود ولكن تواجهها بحراك إيجابي يتناسب طرديا مع حجم المعاناة تلك النظرة الفلسفية للحياة كانت ببساطة قوانين حياة الفنان محمد رويشة
رحيل مبدع
ازداد محمد رويشة عام 1952 في مدينة خنيفرة وغيبه الموت زوال يوم الثلاثاء 17 يناير 2012 وبين الموعدين المهمين في تاريخ الوتر امتدت رحلة حياة لفنان أثرى الحياة الفنية المغربية أيما إثراء رحل أمير الوتر وبقيت الأوتار من بعده تتساءل في لوعة عن أنامل طبعت بصمة الأصالة العميقة في قلب الأغنية المغربية بعد أن كادت أنغام البادية وأهازيجها وفنون التراث القديم القيم أن تتراجع تحت هجوم التغريب الذي أصاب أركان الأغنية الحديثة محاولا أن يدفع بتراثنا الأصيل إلى متحف الذاكرة أو إلى حيث تندثر
لن يغيب الفنان محمد رويشة وسيبقى بيننا بفنه ما بقيت جبال الأطلس
0 التعليقات