Latest News

ساعات عقيمة في جلسات الحكومة: سليمان المايسترو والعريضي عازفاً أول





الوزراء يهدرون نحو ساعة في تبادل طلبات الخدمات (أرشيف - هيثم الموسوي)
تمتد جلسات مجلس الوزراء نحو ست ساعات أحياناً. يُتوقّع من جلسات طويلة كهذه قرارات مصيرية وإنجازات خيالية، لكن القرارات التي تتمخض عنها هذه الجلسات الماراتونية لا تحتاج إلّا الى دقائق لإقرارها، فكيف تمرّ هذه الساعات؟
ثائر غندور
الجلوس على الكراسي لفترات طويلة متعب، أما الوصول إليها، خصوصاً الوزاري منها، فيتطلب «تعباً» أكبر. منهم من «تزلف» لزعيمه، ومنهم من «صاهره»، ومنهم من ورثه حيّاً، ومنهم من كلّفه حزبه القيام بالمهمة. ولكن، في جميع الحالات، قلةٌ منهم تليق بها الكراسي. في لبنان حكومة تضم ثلاثين وزيراً. إذا أحسنّا الظن بالوزراء مفترضين أنهم «يحضّرون» جيداً قبل جلسات مجلس الوزراء، وأن كلاً منهم يأخذ دوراً في الكلام لخمس دقائق فقط، فإن ذلك يعني، بحساب بسيط، أن ساعتين ونصف الساعة من وقت الجلسة ستستغرقها المداخلات. هذا وقت «معقول» إذا أخذنا في الاعتبار أن بعض الوزراء يتنازلون عن حقهم بالكلام بعدما «بلعوا ألسنتهم» فلا يسمع لهم صوت. إذاً، ما الذي يجعل جلسات دون غيرها تستغرق نحو ست ساعات دون أن تنهي جدول الأعمال؟
يلتقون مرةً في الأسبوع، وفي أحسن الأحوال مرتين. إذ أبلغ الرئيس نجيب ميقاتي الوزراء سابقاً أنه سيعقد جلستين. الرئيس كريم والشعب بيستاهل. جلسة لجدول الأعمال العادي، والثانية تكون مخصصة لقانون الانتخاب أو الموازنة أو أي موضوع يستحق بحثاً خاصاً. ولكن، حتى الآن، النتيجة مختلفة عن طموحات الرئيس: «الجلسات المخصصة تذهب لاستكمال جدول أعمال الجلسة السابقة، بسبب عدم الانتهاء منه». في مجلس الوزراء تعقد الجلسات على الطريقة اللبنانيّة. يجتمع المجلس أربع أو خمس ساعات، ولا يُنهي أكثر من نصف جدول أعمال، هو عبارة عن هبات وتسويات وقرارات يصفها الوزراء أنفسهم بأنها «بلا طعمة». وعلى هذا الأساس، يُمكن تخيّل «رسم تشبيهي» لأبطال المجلس.
تبدأ الجلسة بكلمةٍ افتتاحيّة، من «فخامة رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان» أو «دولة رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي»، كما يُسميهما وزير الإعلام وليد الداعوق في البيان الذي يذيعه بعد الجلسة، علماً بأن الداعوق يكاد لا ينطق داخل المجلس. ربما يوفر كل شيء للتصريحات الإعلاميّة التي تلي الحفل. ويُمكن تقسيم كلمة سليمان حسب الفصول. فمنذ بدأت الأمطار بالتساقط، والرئيس يُحذر الوزراء من «العاصفة». على الوزارات توخي الحذر، وترقب العاصفة، لمواجهتها طبعاً. في إحدى الجلسات، وهي الجلسة التي تعطّل بعدها مجلس الوزراء إلى أن استقال الوزير شربل نحاس، استهلك سليمان عشرين دقيقة للحديث عن الطقس. الرئيس محبُ للبيئة، وقد شرح طويلاً «لأصحاب المعالي» كيف أن هذه العاصفة تُذكّر بأيام طفولته، عندما كانت «الشتوية حقيقية»، مبشراً بالخير الذي ستحمله الامطار والثلوج للبنان واللبنانيين. الرئيس محبُ للعائلة أيضاً.
وعلى هامش الطقس، يطلق سليمان، دائماً، عواصف باتجاه العدو الإسرائيلي. يدينه، يشتمه، ويهدده من قصر بعبدا بالويل والثبور وعظائم الأمور. فسليمان، ومنذ تولّى رئاسة الجمهوريّة، يفعل ذلك في جميع جلسات مجلس الوزراء. هذا هو «الثبات» بحد ذاته. الظاهرة «الكلاميّة» الثانيّة بعد سليمان هي وزير الأشغال العامّة والنقل غازي العريضي. يتحدث أحد زملاء العريضي باستفاضة: «بعد الساعة الاولى من مداخلة العريضي، نشعر أنه انتهى من الكلام، فيفاجئنا معاليه بعبارته المعتادة: هذا من جهة، أمّا من جهة ثانية... ليكمل بعدها الجزء الثاني من المداخلة». يؤكّد عدد كبير من الوزراء أنه من النادر أن تقلّ مداخلة العريضي عن خمسٍ وأربعين دقيقة، اي نصف الساعة إضافة إلى النصف الذي احتسبناه آنفاً!. يتحدّث العريضي في كلّ جلسة عن الفساد ونظافة الكف، عن هموم الناس وقضاياهم، عن ضرورة الالتفات إلى الفقراء وعامّة الناس، عن دقةّ الموقف وحساسيّة المرحلة وغيرها من العبارات «الثقيلة». «نشعر بأننا حثالة عندما نستمع للعريضي»، يتهكم أحد الوزراء، مضيفاً أنه بعد هذا الكلام يتبيّن أن هناك عدداً من التلزيمات المفترض إقرارها «بالتراضي» وليس عبر مناقصات. اعتاد اللبنانيون التراضي، واعتاد الوزراء «السابقون» غياب العريضي عن عدّة جلسات في حكومة الرئيس سعد الحريري، أجّل خلالها الحريري كلّ البنود المتعلّقة بالأشغال العامة، حتى أنجز الحريري نفسه مصالحةً بين العريضي وشركة «جهاد العرب» للمقاولات (وفروعها)، لتنال لاحقاً هذه الشركة أغلب التلزيمات، بالتراضي طبعاً.
العريضي أستاذ «التربية الوطنيّة والتنشئة المدنيّة» في الحكومة. لا يفهم أغلب الوزراء الدافع وراء هذه المداخلات البعيدة عن جدول الأعمال، أو حتى علاقتها بالأشغال العامة. يقول أحدهم ممازحاً إن الوزير
الاشتراكي «يأكل حق علاء الدين ترو بالكلام» كون الأخير لا يتحدث في الجلسات، كما أن العريضي يكون آخر من يطلب الكلام في المداخلات السياسيّة في بداية الجلسة، ويُسجّل كل ما يقوله زملاؤه، ثم يتحدّث.
حتى الآن، سليمان هو «مايسترو» الجلسات، والعريضي عازفها الأول. فهما، وحدهما، يهدران نحو ساعة ونصف الساعة من وقت الحكومة الثمين. قبل هذه الساعة والنصف، هناك ساعة كاملة يقضيها الوزراء في شرب القهوة، وطلب الخدمات بعضهم من بعض، وتالياً، فإن الجلسة التي تكون مقررة عند الخامسة، على سبيل المثال، لا تبدأ فعلياً قبل السابعة والنصف. الجلسة تقرأ من عنوانها، والوزراء على أشكالهم يقعون. فإضافةً إلى مداخلتي سليمان والعريضي، الثابتين، هناك مداخلة طرأت منذ 15 آذار 2011، تاريخ اندلاع الأزمة السورية. فالوزير علي قانصو بات يطلب الكلام كلما برز ملف مرتبط بسوريا، أو بالحدود أو بالنازحين السوريين. صوت قانصو جهوري، لكن النازحين السوريين غير موجودين في قاموس الوزير نقولا فتوش، الذي كلما اتي على ذكر هؤلاء، ينتفض مقدّماً «مطالعة» قانونية لينفي «وجود شيء اسمه نازحون. هؤلاء دخلوا لبنان بطريقة غير شرعية، وعلينا إعادة تسليمهم لبلادهم بموجب الاتفاقات الثنائية». وبالتأكيد، ستتضمن مداخلة فتوش جملة باللغة الفرنسيّة، فالرجل فرانكوفوني في النهايّة.
بدأت الجلسة. الآن بدأت الجلسة الحقيقيّة. ينحصر النقاش بعدد قليل من الوزراء، «وأغلب الأوقات يكون تنظيم جدول الأعمال خاطئاً، فنجد أن البنود الأولى هي بنود موضع خلاف، بينما البنود المتوافق عليها توضع لاحقاً» يقول أحد الوزراء. يستعر النقاش في البنود الجداليّة. وإذا كان الموضوع اقتصادياً، كان الوزير شربل نحّاس (قبل استقالته) غالباً هو المتحدّث الأبرز. وبمجرد انتهاء نحاس من الكلام، يسارع نحّاس الحكومة الثاني، وزير الاقتصاد نقولا نحّاس، الى طلب الكلام فوراً ليرد على «إبن العم» مناقضاً إياه بغض النظر عمّا يقول. ومن مفارقات النقاشات الإقتصاديّة، أن الوزير أحمد كرامي يكون دائماً على عجلةٍ من أمره، ويُريد الانتهاء من الجلسة، فتجده يقول لمن يجلس إلى جانبه: «يا عمي، معه حق شربل، ليش ما بوافقوه وبخلصونا». لكن كرامي نفسه يُصدر بياناً في اليوم التالي ينتقد فيه موقف شربل نحّاس ويدافع عن «موقع رئاسة الحكومة».
كرامي الحكومة الآخر، الوزير فيصل كرامي، كريم بالنكات. الولد سر أبيه. يرمي «كرامي جونيور» في كلّ جلسة نكتة أو اثنتين تطريّان الأجواء المحتدمة. وفي مجال «التنكيت»، أيضاً، يبرز وزير حزب الطاشناق فريج صابونجيان، وهو من المقلين جداً في الكلام. لكنه، من المكثرين في النكات. وفي إحدى الجلسات بعد التصريحات الأميركيّة والتركية عن ضرورة حماية النازحين السوريين، استفاق صابونجيان: «بما أن تركيا مهتمّة جداً بالنازحين، وبما أن عدد سكّان قبرص التركيّة قليل جداً، فلتستقبل تركيا هؤلاء النازحين في قبرص». وإذا كان صابونجيان قليل الكلام، فذلك لأن وزير الطاشناق الثاني، بانوس منجيان، هو الذي يُعبّر عن الموقف السياسي للحزب. منجيان صارم. في إحدى الجلسات، ذهب إلى الحمام ليُفاجأ بعد عودته بأن التصويت قد تم، فأصرّ على احتساب صوته أيضاً، رغم أن هذا الصوت لم يكن ليؤثّر على النتيجة. ومن المعروف عن منجيان أنه اكثر الوزراء تحضيراً للملفات.
يجزم بعض الوزراء أنه يُمكن اختصار الحكومة بسبعة أو ثمانية من الوزراء، إذ إن الوزراء الآخرين لا يتكلّمون خلال الاجتماعات إلّا إذا طُلب منهم ذلك. والوزراء الذين يُشاركون في النقاش هم علي حسن خليل وغازي العريضي ووائل أبو فاعور وحسين الحاج حسن ومحمد فنيش وجبران باسيل ومروان شربل، وأحياناً نقولا صحناوي. أمّا البقيّة فهم عبارة عن شهود يُستعان بهم خلال التصويت. فصوت وزير البيئة ناظم الخوري يكاد لا يُسمع في الجلسات، أما الوزير سليم كرم، فانحصرت مداخلاته في ثلاث جلسات. مرّة طلب تأجيل الامتحانات الرسميّة في دورتها الثانية لأن إحدى قريباته تُريد أن تُسافر، وتتزامن سفرتها مع موعد الانتخابات. صراحة ما بعدها صراحة. والمرّة الثانية عندما عارض مشروع فصل الوزارة عن النيابة، والثالثة بعد احتدام النقاش بين الوزيرين شربل نحاس ومروان شربل حول اللواء أشرف ريفي وبقائه في موقعه. فبعد نحو ساعة على انتهاء النقاش، طلب كرم الكلام، وإذ به يُفاجئ الجميع بالعودة إلى موضوع قوى الأمن متهماً الضباط بالرشوة قائلاً: «أكبر ضابط حقه مئة دولار»، فاستثار وزير الداخليّة، الضابط أصلاً، الذي قام عن الطاولة مستنكراً ما سمعه. كان تعليقاً على طريقة «أيمتا جايي الحكيم؟» في مسرحيّة فيلم أميركي طويل. لكن اللافت في كرم، هو أنه يحمل دائماً جهاز «الأي باد» ممارساً ألعابه المفضلة، وفي كثير من الأوقات متفرجاً على عدد من الصور، وهو يُشارك زملاءه هذه الهواية الفريدة. ولا يشذ وزير المردة الثاني عن هذه القاعدة. ففايز غصن تكلّم بصعوبة عند بحث ملف «القاعدة» في مجلس الوزراء، وهو ما يدفع الكثير من الوزراء إلى المقارنة بين كرم وغصن من جهة، والوزير السابق يوسف سعادة من جهة أخرى، والذي كان حيويّاً.
الأهم من ذلك كله هو أن الجميع يفتقد نائب رئيس الحكومة. لا يشعرون أبداً بوجود سمير مقبل. حتى أن أحدهم ينسى اسمه. والدور الوحيد الذي قام به مقبل هو تغطية الاجتماعات التي جرت في مكتب النائب ميشال المرّ، بين مجلس الإنماء والإعمار وعدد من رؤساء بلديات المتن، لبحث موضوع جسر جلّ الديب. لم يكن عملاً جباراً، لكنه كان مناسبة لظهور «نائب الرئيس».
الأزمة الجديّة تبرز في الكتلة العونيّة. فبعد غياب نحاس، بقي باسيل وحيداً على الطاولة. صحيح أنه قادر على «التغطية» وتعويض الوقت الذي كان يتكلم فيه نحاس، إلا أنه يعاني. أرهقته المؤتمرات الصحافيّة. والوزير فادي عبود، إن تكلّم، فهو ليس عوني القلب، مثله مثل شكيب قرطباوي المقلّ في الكلام مثل غابي ليّون. ومن وزراء ميقاتي، يفرض نقولا نحّاس وجوده، مسهماً في تضييع وقت الجلسات بمداخلاته الطويلة كما يقول بعض الميقاتيين، لكن البقيّة، مثل حسان دياب ووليد الداعوق، خفيفو الظل والحضور. إلّا أن الداعوق يتحدّث بعد الجلسات، «وفي كلّ مرة ينصب الفاعل ويرفع المفعول به». بدوره، يلتزم وزير الخارجيّة عدنان منصور الصمت في كل ما له صلة بالقضايا الداخليّة، ملتزماً دوره كوزير للخارجيّة بحذافيره!

سليمان يحارب الهواتف الذكية
منع رئيس الجمهوريّة التدخين خلال الجلسات، مما دفع الوزراء المدخنين إلى اللجوء لطاولة «البوفيه» كي يدخنوا. وقد مازح سليمان مرّة شربل نحّاس قائلاً : «أنت رأس الحيّة» في إشارةٍ إلى أنه أوّل من بدأ هذه العادة. أمّا في ما يخصّ تسريب محاضر الجلسات، فيشدد رئيس الجمهورية على الوزراء بعدم التسريب، لكنّه فوجئ بأن هناك مَن ينقل وقائع الجلسة مباشرةً عبر برامج التواصل في الهواتف الذكيّة، فأضاف القصر الجمهوري أمراً جديداً إلى جانب التشويش على الإرسال، إذ أُحضرت بعض التقنيّات لمنع إمكان التواصل عبر الهواتف الذكيّة. فبقي للوزراء الهواتف الثابتة كي يتواصلوا مع زعمائهم، أو الخروج نحو قاعة الصحافيين لتسريب المعلومات «أولاً بأول».
Tags: ,

تنويه:

نرجو من مستخدمي الموقع الكرام عدم إضافة أي تعليق يمس أو يسيء للأديان أو المعتقدات أو المقدسات. ونرجو عدم استخدام خدمة التعليقات في الترويج لأي إعلانات. كما نرجو ألا يتضمن التعليق السباب أو أي ألفاظ تخدش الحياء والذوق العام تجاه أي شخصيات عامة أو غير عامة.

0 التعليقات

Leave a Reply